وحدة قياس الغاز الطبيعي

بقلم-احمد العربيد:

ركبت أول طائرة خاصة في حياتي عام 1981، كنا أربعة مسافرين على متن هذه الطائرة المتجهة إلى الدوحة في قطر للتفاوض على أسعار الغاز، ثلاثة من قياديي مؤسسة البترول الكويتية، وهم: نادر سلطان العيسى، وهاني عبدالعزيز حسين، والمرحوم عبدالله حمد الرومي. كنت قد أمضيت 4 سنوات فقط من الخبرة بعد تخرجي في الجامعة، وكانت هذه الخبرة مركزة في عمليات حقول النفط. لم تكن سنوات الخبرة هذه كافية لتجعلني خبيراً أو مفاوضاً أو حتى محاوراً في موضوع الغاز الطبيعي، إذ يعتبر هذا الموضوع مهما جداً وحساسا واستراتيجيا بالنسبة للكويت وقطر، فالتزمت الصمت وركزت الاستماع لهؤلاء الأساتذة الذين تلقنت منهم أول معلوماتي عن الغاز الطبيعي، وأدين لهم بالفضل على ما قدموه من توجيه ودعم كنت بحاجة إليه طيلة مسيرتي النفطية.
علمني أساتذتي أن الغاز ليس كالنفط من حيث طبيعة السوق، فالنفط شديد التأثر بتقلبات بعض الأسواق العالمية في بعضها الآخر، بينما لا تنطبق هذه الحالة على أسواق الغاز التي تقوم على عقود طويلة الأجل تحد من تقلبات الأسواق بشكل كبير وتخضع إلى ما يحيط بها من أحداث في المنطقة ذاتها.
لم أكن أعرف أن الذي سيمثل الجانب القطري هو السيد علي جيده، وزير النفط، فقد كان السيد جيده حاد الذكاء وواسع المعرفة وسريع البديهة، وقد سبق أن التقيت به لقاء عابراً في أحد مؤتمرات الغاز العالمية الذي أقيم في جمهورية سنغافورة، إذ أطلق السيد علي جيده في المؤتمر تصريحاً صحافياً قال فيه إن قطر ستزود أوروبا بالغاز الطبيعي في غضون سنوات قليلة، وكان لهذا التصريح صدى ودهشة كبيرة في المؤتمر، وعلى مستوى الصناعة العالمية النفطية.
توجهنا نحن الأربعة إلى مقابلة السيد علي جيده، فاستقبلنا وحيداً في مكتب. كان واضحاً لي أن السيد جيده سينهي الاجتماع سريعاً، وذلك لأنه كان ينتقل من موضوع لآخر بطريقة يصعب تتبعها حتى جاءت اللحظة الحاسمة فوجه إلينا سؤالاً قال فيه: كم سعركم؟ رد الأخ نادر سلطان قائلاً: دولار لكل ألف وحدة حرارية بريطانية في القدم المكعب. صمت السيد جيده برهة، ثم قال: 4 دولارات أميركية لكل ألف وحدة حرارية بريطانية.
كان واضحا ان نتيجة اللقاء تعبّر عن فشل ذريع، لوجود هوة واسعة بين الطرفين في الوصول الى سعر يرضي الطرفين، او على الاقل سعر وسط يبدأ التفاوض منه. كان جيده يحلم بسعر للغاز يماثل سعر سوق الغاز في الولايات المتحدة الاميركية، الذي يسمى هنري هب، أي مركز هنري، والذي يقارب فيه السعر 5 دولارات آنذاك. بينما كنا نحن نحلم بسعر العقد الوحيد آنذاك في منطقة الخليج العربي، الذي تم إبرامه والاتفاق عليه بين إمارة الشارقة وإمارة دبي، إذ اتفق الطرفان على سعر يعادل 1.25 دولار اميركي لكل ألف وحدة حرارية بريطانية في المتر المكعب. اختلاف أسعار السوقين الاميركية والخليجية أفشلا صفقة الغاز القطري الكويتي. تبادلنا كلمات الوداع وغادرنا بعد وجبة الغداء راجعين الى الكويت.
تساءلت: ما هو المقياس الذي تحدثوا عنه في صناعة الغاز الطبيعي؟ علمني أساتذتي ان الغاز أيضا يقاس بوحدة قياس تختلف عن وحدة قياس النفط، بينما يقاس النفط بالبرميل كما بينا في مقال سابق، فإن الغاز له مقياس آخر مرتبط بالطاقة ويسمى وحدة حرارية بريطانية، وتقريبا للفهم، فإن حجم القدم المكعبة من الغاز يحتوي على ألف وحدة حرارية بريطانية. وإذا اردنا قياسها بالنسبة لبرميل النفط، فإن برميل النفط يحتوي على 8.5 ملايين وحدة حرارية بريطانية، اما الكيلو غرام من البنزين، وهو احد مشتقات النفط، فيحتوي على 40 ألف وحدة حرارية بريطانية.
الوحده الحرارية البريطانية هي إبداع توصل إليه العالم البريطاني البروفيسور دي فول صن مع معهد ستيفن للتكنولوجيا، لقياس الطاقة في كل حالاتها السائلة والغازية والصلبة، حيث يصعب قياس الطاقة من مصادرها، هذا الامر سهل على العلماء حسابات الطاقة ومقارنتها بعضها مع بعض، وتم تطويره من قبل شركة جون ويلي الاميركية في أواخر القرن التاسع عشر.
كنت قد وعدتكم بنشر الخيارات المتاحة للكويت للحصول على الغاز الطبيعي بشكل مستدام، ولكني وجدت ضرورة في نشر هذه المقالات الثلاث السابقة للتمهيد لموضوع الغاز الطبيعي، حتى يسهل فهم صناعة الغاز الطبيعي، ويمكننا عندئذ الحديث عن الخيارات المتاحة.
ترقبوا المقال القادم بشأن الخيارات.