لماذا اعتبار البرميل وحدة قياس

بقلم-م.أحمد العربيد:

في مقال سابق أشرنا الى اهتمام الدولة العباسية بمادة النفط وكيف ان علماء المسلمين وغيرهم ممن كانوا يعيشون في بلاد الاسلام، وبالأخص في مدينة بغداد عاصمة الدولة العباسية التي كانت تعتبر المدينة الوحيدة التي تضاء شوارعها ومساجدها ومناراتها ليلا في العالم اجمع، استخدم هؤلاء العلماء النفط في تلك الحقبة في جوانب كثيرة من حياتهم، وكان الخليفة يقوم بتعيين وال خاص لمهنة النفط يشرف على العمليات النفطية، وكانوا يطلقون على النفط ثلاثة اسماء: فإذا كانت المادة ذات كثافة خفيفة اطلقوا عليها اسم النفط (بكسر النون)، واذا كانت متوسطة الكثافة اسموها الزفت، اما اذا كانت الكثافة عالية فيطلق عليها القار.
لم يتم الاهتمام بمادة النفط في الحضارة الغربية الا بعد نهاية القرون الوسطى.
فقد اطلقوا على النفط اسما واحدا هو «بتروليوم» أي «زيت الصخر» لما تحتويه الصخور من مادة لزجة تخرج منها، وهي مادة النفط.
ان التباين في عدد الاسماء بين الحضارتين يؤكد على مدى العمق العلمي في كل حضارة، ومع تطور الوقت والتقنيات برزت اسماء ومنتجات للنفط جديدة كلما تسارع التقدم العلمي. نقلت السينما الأميركية تفاصيل هذه الحقبة من التاريخ الاميركي وعاشت معها شعوب العالم اجمع من افلام الكاوبوي والحروب ومسلسلات الدراما والكوميدي ومن يعيد العيش في مشاهدة هذه السينما سيستمتع اليوم بها اكثر من استمتاعه في يومها، وسيرى كيف كان الصراع على النفط آنذاك.
كان الناس يستصعبون طرق نقل النفط من مكان لآخر، فقد كانت وسائل النقل بدائية جدا ويغلب عليها العفوية في استخدام ما يتوفر لهم في الحين من اواني المطبخ والمزرعة وغيرها. كان الاكتشاف الذي حدث في ولاية بنسلفينيا في عام 1859 بتحقيق انجاز علمي يمكّن البشر من انتاج النفط بطريقة الحفر العميق للوصول لمكامن النفط تحت الارض بواسطة انابيب وحفارات معقدة تقنيا في تلك الحقبة.
كانت نتيجة هذا الاكتشاف تزايد الانتاج بصورة لم يسبق لها مثيل فأصبحت هناك حاجة ماسة لقياس كميات البيع بدقة تحافظ على الثقة بين البائع والمشتري. ونشأ من جراء ذلك في عام 1866 صدور بيان من البائعين والمشترين معا، اصبح فيما بعد تشريعا يقضي باعتماد الجالون من ماركة الملك ريتشارد قياسا رسميا للبيع والشراء. وبعد ذلك واجه سوق النفط صعوبة في هذا التشريع بسبب تعدد قياسات الجالون، فأصبح هناك الجالون الامبراطوري والجالون الانكليزي وجالونات اخرى اخلت بميزان القياس.
اضطر السوق النفطي للجوء الى البرميل كحل نهائي لهذه المشكلة، كان الناس ينقلون النفط بواسطة براميل البيرة والخمر، وهي براميل خشبية وحديدية يمكن دحرجتها من مكان لآخر لنقلها مثلا من السوق الى البيت، وهذه تعتبر ميزة مهمة، أما الميزة الاخرى فهي ان ما يوفره حجم البرميل من كمية في شكله الاسطواني يفوق الكميات التي توفرها اي من الاواني الاخرى بفارق يزيد على ضعف الحجم وهذه ميزة غير مسبوقة ايضا. كما ان الطريقة التي يتم فيها تخزين البرميل على ارتفاع من سطح الارض يسهل عمليات الاستخدام اليومي. لكل هذة الخواص للبرميل جعلت منه الاكثر قبولا من كل الخيارات الاخرى وهكذا اصبح برميل النفط مقياسا للصناعة النفطية.