الطاقة النظيفة في مواجهة الطاقة السلبية

بقلم-د.صبري صيدم:

لم يَعُدْ خافياً الدور الذي تضطلع به الطاقة النظيفة في حياة الشعوب ودورها في تحقيق تنمية مستدامة واستعاضتها عن الطاقة التقليدية التي استنزفت موارد البشرية وثقبت الأوزون وزادت من حجم الاحتباس الحراري وتسببت في التغير المناخي الذي نعيشه هذه الأيام وقادت مع الغازات المنبعثة على اختلافها إلى تدهور البيئة وتراجعها.

وعليه لم يكن غريباً أن يتجه الإنسان نحو الطاقة البديلة التي عمادها الشمس والرياح والمياه وغيرها الكثير. لكن مجتمعات هذا الكوكب لم تفلح في زرع ثقافة التحول باتجاه الطاقة النظيفة لعدة أسباب، من أهمها غياب الدور الرئيس الذي تلعبه المدرسة والكلية والجامعة في خلق الوعي المجتمعي اللازم. فما بالكم لو أن مجتمعاً يمتلك وفرة من أشعة الشمس ويرزح تحت وطأة احتلال ظالم يتحكم بمقومات حياته كمصادر الطاقة والمياه وحتى المعابر؟!

لذلك ليس بغريب أن تجنح وزارة التربية والتعليم العالي؛ ومن خلال مدارسها وكلياتها وجامعاتها نحو تحقيق التنمية المستدامة، بتطبيق كثير من الأفكار الإبداعيّة، ومنها استخدام الطاقة البديلة النظيفة والمتجددة، عبر الاستفادة من أسطح المدارس ومرافقها المتعددة، لا سيما في مجال توليد الطاقة الكهربائية من خلال الألواح الشمسية وبذلك تسهم في تعزيز هذه الثقافة وبناء جيل مقتنع بهذا النوع من الطاقة متسلحاً بالقناعة الذهبية بأن امتلاك السيطرة على الطاقة هو مكون رئيس من مكونات الصمود والاستدامة والثقافة ومواجهة التسلط الطاقي الناجم عن تجبر المحتل والسيطرة المطلقة على مصادر الطاقة، رغم أننا تأخرنا كثيراً في فلسطين بالاستفادة من الطاقة البديلة خاصة في ظل القرصنة الاحتلالية المستمرة.

ولترجمةِ الأقوالِ إلى أفعالٍ حقيقيّةٍ متميّزة، من شأن الكلّ الفلسطيني أن يفتخر بها، وضعت وزارة التربية والتعليم العالي مُخطّطاً تعاظم تنفيذه منذ عامين، بالتعاون مع العديد من الجهات والمؤسسات والدول، هدفه استثمار الطاقة النّظيفة، فتزيّنت أسطح أكثر من 300 مدرسة حكومية بألواحٍ باتت تُعانق شمس الحرّية والانعتاق، منذ مشرقها وحتى مغربها، دون أن نتناسى عشرات غيرها من المدارس الخاصة وتلك التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين، كما وقّعت الوزارة مؤخراً اتفاقية مع صندوق الاستثمار الفلسطيني، هدفها تطوير وتركيب أنظمة توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية عبر الشركات الوطنية على تعددها وذلك بالاستفادة من أسطح 500 مدرسة حكومية كخطوة أولى، وصولاً إلى كل المدارس ومؤسسات التعليم العالي قاطبةً، بقدرة إجمالية ستصل إلى 35 ميغا واط، وحجم استثماري من المتوقع أن يصل إلى 35 مليون دولار على مدار أعوام، وهذا يعني أن تلك المؤسسات التعليمية ستحصل ذاتياً على خدمات الطاقة مجّاناً، وما يزيد عن حاجتها سيتم بيعُه للمجتمع المحلي عبر الشركاء على اختلافهم ورصد عائدات البيع لصالح مختلف جوانب التطوير التربوي، وبذلك نصل إلى مدارس وكليات وجامعات مستقلّة مالياً، تُدير نفسها بنفسها، لتحقّق أفضل المُخرجات التربوية وأرقاها.

هذا السياق التطويري التنموي، يشير إلى عهد فلسطيني جديد في استثمار الموارد البسيطة المتاحة، ويرمي إلى تأصيلٍ ثقافة جديدة، هدفها الاهتمام بالتربية؛ باعتبارها المؤسسة الأكبر والأشمل والأهم، وإتاحة أسطح مدارسها الواسعة لتوليد الطاقة من جهة، ولإقامة حدائق أرضيّة، وأخرى معلّقة، للزراعة العضوية من جهة أخرى، ضمن رؤية شاملة متكاملة، للوصول إلى منظومة من المدارس المُستدامة الصديقة للبيئة، والتي تركّز على الطاقة النظيفة، وتولي الزراعة العضوية في المساحات والحدائق المدرسية أهميةً كبيرة، هدفها خلقُ روح تنافسيّة بين المؤسسات والأفراد، وبناءُ ثقافة وطنيّة أصيلة لدى الأجيال، وبما يحقّق الاستقلال السياسي والاقتصادي بكلّ ميّزاته التحرّرية