مصر مركزاً إقليمياً للغاز

باكتشاف حقل “ظُهر” (في أغسطس 2015) الذي تقدر احتياطاته بـ32 تريليون قدم مكعب بما يعادل احتياطات إسرائيل وسلطنة عمان من الغاز معاً، أتيحت لمصر ميزتان إستراتيجيتان، أولاهما تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز بنهاية العام الحالي، إذ يبلغ متوسط استهلاك مصر حالياً نحو 5.8 بليون قدم مكعب يومياً، مقابل إنتاج 5.1 بليون قدم مكعب يومياً بعد بدء الإنتاج من حقل “ظهر” قبل أسابيع بمعدل 350 مليون قدم مكعب يومياً. وتشير توقعات شركة “إيني” الإيطالية التي تدير الحقل إلى أن إنتاجه سيصل إلى 2.9 بليون قدم مكعب يومياً بحلول منتصف العام 2019، ما يعني أن التنامي السريع في الطلب المحلي على الغاز لن يحول دون تصديره إلى الخارج. والميزة الثانية، تتجلى في تحول مصر إلى مركز إقليمي للغاز، مع قيام شركة “إيني” بتطوير حقل “ظهر” وربطه بحقول الدول المجاورة والأسواق الأوروبية.

ورقة البنية التحتية

فعلى خلاف دول الإقليم، التي تفتقر إلى محطات تسييل الغاز وتحتاج إلى سبع سنوات وكلفة تناهز العشرين بليون دولار لإقامتها، تبقى مصر الدولة الوحيدة في حوض شرق المتوسط التي تملك بنية تحتية في هذا المجال تتمثل في ثلاث محطات تعد الأكبر من نوعها بين 634 محطة حول العالم، تقع أولاها في مدينة إدكو وتملكها الشركة المصرية للغاز الطبيعي المُسال، وتضم وحدتين للإسالة. أما ثانيتها، فتقع في دمياط وتتبع شركة “أونيون فينوسا” الإسبانية الإيطالية، وتضم وحدة إسالة واحدة فقط، والمحطة الثالثة المعطّلة، تعمل الحكومة المصرية على إعادة تشغيلها قريباً. وبعدما عرضت مصر على قبرص عام 2012، تسييل غاز حقل “أفروديت” في مجمع الغاز والبتروكيماويات المصري، أعلن وزير الطاقة القبرصي أخيراً أن بلاده على وشك بيع الغاز الطبيعي إلى محطات الغاز المسال في مصر، كما يبقى التحالف المصري القبرصي اليوناني هو الأقوى إقليمياً، إن لجهة مخزوناته الهائلة من الغاز، أو لعلاقاته الطيبة بالاتحاد الأوروبي الذي يرغب في تأمين حاجاته المتنامية من الغاز بعيداً من روسيا وتركيا.

وعلى رغم سعي إسرائيل في (ديسمبر) الماضي لتوقيع اتفاق مع عدد من الدول الأوروبية لضخ الغاز إليها عبر ممر الغاز الجنوبي من خلال تنفيذ مشروع خط شرق المتوسط الذي يربط كلاً من إسرائيل وقبرص باليونان عبر جزيرة كريت، يواجه هذا الخيار تحديات مالية وتقنية شتى، كوصول كلفته إلى خمسة بلايين دولار، مع تواضع كمية الغاز التي سينقلها إلى أوروبا، وافتقار اليونان إلى البنية التحتية اللازمة، فيما يبقى خط الأنابيب البديل عبر تركيا أسيراً لارتباك العلاقات بين تركيا وإسرائيل وقبرص.

كذلك، يشكل توتر العلاقات الأوروبية مع كل من تركيا وروسيا، وسعي أوروبا إلى تنويع مصادر الغاز بعيداً من روسيا، التي جنحت للتحكم في أمن الطاقة الأوروبي عبر استخدام إمدادات الغاز الروسية كسلاح إستراتيجي، دعماً لفرص مصر في التحول إلى مركز لنقل غاز شرق المتوسط إلى أوروبا، خصوصاً بعد محاصرة واشنطن تحركات روسيا في مجال الطاقة، وعرقلة الأوروبيين مشاريعها الرامية إلى إنشاء خطوط أنابيب جديدة، بالتوازي مع تنامي الحاجات الأوروبية من الغاز بعد عام 2020، في ظل تنامي الطلب بالتزامن مع انخفاض الإنتاج المحلي لدى هولندا وبريطانيا، والتباطؤ المحتمل لنمو إنتاج النروج، وانتهاء العقود الطويلة الأجل مع النروج وروسيا.

غير أن التطلعات المصرية إلى الاضطلاع بدور المركز الإقليمي للطاقة قد تصطدم بتحديات عدة، أبرزها عدم تسوية الخلافات مع بعض دول الجوار في شأن ترسيم الحدود البحرية كتركيا وإسرائيل. فبينما تصر الأولى على إبقاء التوتر مع مصر وترفض ترسيم حدودها البحرية، لم تتورع الثانية عن السطو على حقول عدة للغاز، مثل حقل “ليفاثيان” الذي اكتشفته عام 2000 وحققت أرباحاً من إنتاجه تصل إلى 240 بليون دولار، بينما تؤكد الخرائط وقوعه داخل المنطقة الاقتصادية المصرية التي تمتد مئتي كيلومتر وفقاً لاتفاقية البحار عام 1982، إذ إنه يبعد 188 كلم شمال دمياط، بينما يبعد 232 كلم غرب حيفا.

وفيما تحتاج البنية التحتية المصرية لإنتاج وتسييل الغاز إلى تحديث وتطوير، خصوصاً بعدما تم تعطيلها إثر انحسار الإنتاج وتقلص الصادرات وتراجع الاستثمارات وخفوت عمليات الاستكشاف إبان ثورة 2011، بالتزامن مع تزايد الاكتشافات وتفضيل الاتحاد الأوروبي التعامل مع منصات كبرى وقوية لضمان تدفق إمدادات الغاز بكميات وفيرة ووتيرة مستقرة، ما برحت عملية نقل الغاز المسال إلى أوروبا تؤرق القاهرة، مع عدم وجود خط أنابيب مباشر بين الطرفين، علماً أن إنشاء خط الأنابيب المتفق عليه حديثاً بين مصر وقبرص يتطلب سبعة بلايين دولار كما يستغرق إنجازه ثماني سنوات، ما يضطر مصر إلى نقل الغاز المسال إلى أوروبا عبر حاويات عائمة، إلى حين الاتفاق مع شركة غاز شرق المتوسط على استخدام خط أنابيبها الذي ينقل منذ العام 2000 الغاز المصري من العريش إلى عسقلان الإسرائيلية والأردن عبر المياه الإقليمية المصرية ثم الإسرائيلية في البحر المتوسط بطول 100 كم، أو خط الأنابيب الأردني – الإسرائيلي الجاري بناؤه بموجب اتفاق لتزويد شركة الكهرباء الوطنية الأردنية بالغاز من حقل “لوثيان”.

تحدٍ صعب

ويمثل اشتعال التنافس الدولي للدور المصري المزمع تحدياً ليس بالهين، إذ لم تتوقف مساعي دول عدة للاضطلاع بمهمة نقل الطاقة إلى أوروبا. فبينما تتطلع واشنطن لتلبية الطلب الأوروبي المتوايد على الغاز وتحقيق العدالة والتوازن في أسواق الطاقة بمنأى عن روسيا، من خلال عرض الغاز الأميركي على الأوروبيين والآسيويين، تأبى روسيا، التي تعد أكبر منتج للغاز عالمياً وأكبر مورد للغاز إلى أوروبا، إلا إبقاء دورها هذا، عبر استثمار نفوذها المتعاظم في المنطقة العربية وتموضعها العسكري في سورية وشرق المتوسط، وما أبرمته من اتفاقات للاستثمار في مجال الطاقة هناك كتوقيع شركة «روسنفت» الروسية أخيراً صفقة مع شركة “إيني” قيمتها بليون و250 مليون دولار لشراء 30 في المئة من إنتاج حقل “ظهر”، علاوة على تعزيز تعاونها مع الصين في مجال الطاقة.

بالتوازي، لم تتوقف مساعي تركيا إلى تحقيق حلمها بأن تكون ممراً لوجستياً لنقل الطاقة إلى أوروبا، سواء عبر الاتفاق مع موسكو عام 2014، لإتمام مشروع “السيل التركي”، الذي تم إنجاز نحو 170 كيلومتراً منه جرى مدها تحت البحر الأسود، ويشمل خطي أنابيب، يخصص أحدهما لنقل الغاز إلى تركيا لتلبية احتياجاتها، بينما يهدف الآخر لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أراضي تركيا ومياهها، أو من خلال الاتفاق مع إسرائيل في (يوليو) الماضي، على إقامة خط أنابيب من حقول الغاز الإسرائيلية في شرق المتوسط إلى تركيا ثم إلى أوروبا.

وهكذا، يبدو من غير المستبعد أن تفضي مساعي مصر إلى أن تكون مركزاً إقليمياً للغاز إلى استفزاز تركيا وقطر، كونها ستنتزع دوراً كانت تصبو إليه الأولى، كما ستقتنص قرابة 70 في المئة من حصة الثانية في الأسواق الأوروبية والإفريقية، بينما تحتدم المنافسة بين مصدري الغاز للعثور على أسواق جديدة، الأمر الذي يوحد جهود الحليفين لإجهاض تلك المساعي المصرية بطرق لاحت بوادرها في المهاترات التركية في شرق المتوسط بموازاة الحملة الشرسة التي شنتها وسائل الإعلام القطرية والتركية ضد صفقة الغاز المصرية الإسرائيلية، التي تسرع وتيرة التطبيع الاقتصادي بين البلدين.

وقد يؤدي الدور المصري اللوجيستي الجديد في مجال الغاز كذلك إلى إغضاب روسيا، التي تعاني حصاراً أطلسياً قاسياً منذ مطلع تسعينات القرن الماضي لمساعيها الرامية إلى توسيع هيمنتها على مصادر الطاقة المختلفة في منطقة أوراسيا، كما تصارع تربصاً أميركياً بدورها العالمي المتعاظم كمتحكم في مصادر الطاقة إلى الغرب، الأمر الذي قد يعرض التطور الحذر في العلاقات الإستراتيجية بين مصر وروسيا لاختبار قاسٍ.