
تشهد المنطقة محاولة لتأجيج عمليات ونوايا التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط يشترك فيها كل من مصر ولبنان وقبرص واليونان وحتى روسيا بعيداً عن محاولة تركيا الدخول في تقسيم الكيكة على اعتبار ان لديها جزءاً بسيطاً من قبرص التركية.
وتتلخص أركان افتعال الازمة في نزاع قائم بين اسرائيل ولبنان على جزء من حقل غاز يقع على حدود البلدين واذا رغبت ان تفهم التفاصيل فإن تركيا وفي 2010 رفضت ترسيم الحدود بين قبرص واسرائيل على اعتبار ان جزيرة مالطة تنقسم الى جزئين الاكبر يوناني والاقل تركي وكان خلاف تركيا على الانتفاضة انها تعدت على ما يقارب من 850 كم في المنطقة الاقتصادية.
ثم تتفرع الازمة بعد رفض تركيا ترسيم الحدود بين مصر وقبرص الذي تم توقيعه في 2013.
معالم الصراع
احدث حلقة في مسلسل الصراع كان على جزء من حقل الغاز الواقع على الحدود بين لبنان واسرائيل رغم ان هناك اتفاقيتين للتنقيب وانتاج النفط والغاز في البحر بمنطقتين يقع جزء منهما بالمياه المتنازع عليها مع تل ابيب وتسمى بلوك الغاز رقم 9 وهي على شكل مثلث تبلغ مساحته نحو 860 كيلومترا مربعاً.
وقد تم اكتشاف البلوك رقم 9 في عام 2009 على يد شركة اميركية وتقدر حصة لبنان من الغاز الطبيعي في البحر المتوسط بنحو 100 تريليون قدم مكعبة وهي كمية قادرة على ان تنهي الكثير من المشاكل المالية للبلاد.
مصر – قبرص – اليونان – تركيا
أشعلت اتفاقية ترسيم خط الحدود البحرية الموقعة بين مصر وقبرص اليونانية عام 2013 توتراً غير مسبوق وأشعلت النيران في تركيا التي تحاول دائماً خلق بعض المشكلات مع الجيران.
قامت تركيا بتقديم طلب لرفض الاتفاقية بين مصر وقبرص بحجة ان الجرف القاري التركي عند خطوط الطول 32 و16 و18 درجة، وقد حذرت مصر تركيا من محاولة المساس بحقوقها الاقتصادية في منطقة شرقي البحر المتوسط بموجب اتفاقية لترسيم الحدود مع صاحب الحق قبرص وكانت الشعلة الحقيقية التي اضاءت النور للمصريين وأطفأت شمعة في تركيا بعد ان اكتشفت شركة ايني الايطالية في عام 2015 حقل غاز ظهر داخل المياه المصرية حيث انه من اكبر الحقول المكتشفة في البحر المتوسط، حيث يقدر الاحتياطي المؤكد له بـ 30 تريليون قدم مكعبة. فالصراع يتلخص في أن قبرص مدعومة من اثينا لمواصلة جهود التنقيب عن الغاز الطبيعي وهو ما تعارضه تركيا وتعتبره انتهاكاً لحقوق القبارصة الاتراك وتحاول ان تهدد باستخدام قوة السلاح لمنعها، وعلى الجانب الآخر سجلت روسيا انجازات كبيرة في الصراع الاقليمي على اسواق الغاز العالمية وتدرك موسكو ان صفقات الطاقة بالشرق الاوسط احدى اهم الادوات التي تخدمها في بسط نفوذها السياسي بالمحيطين الاقليمي والدولي واهم الصفقات الروسية مع دول الشرق الاوسط ايران ومصر والعراق وغيرها وفي ظل تزايد ثروات حوض البحر المتوسط من الغاز الطبيعي بشكل قد يغير من خريطة امدادات الطاقة على الصعيدين الاقليمي والعالمي.
الدب الروسي يتمدد ويفرض نفسه
بدأ اكتشاف تلك الحقول عام 2000 عن طريق شركة بريتش غاز التابعة لشركة بريتش بتروليوم بحقل غزة مارين على مسافة 36 كم من شواطئ غزة حيث يقدر اجمالي المخزون الاحتياطي للحقل بما يقارب تريليون قدم مكعبة من الغاز.
وفي يناير 2009 تم اكتشاف حفل نمارا الذي يبلغ المخزون الاحتياطي به ما يقارب من 10 تريليونات قدم مكعبة ويقع الحقل على مسافة 90 كم من شواطئ شمالي فلسطين المحتلة «إسرائيل» وعلى مسافة 1650 متراً تحت سطح البحر كما شهد العام نفسه اكتشاف حقل أفروديت على بعد 180 كم من الشاطئ الجنوبي الغربي لقبرص وبعمق 1700 متر تحت سطح البحر ويقدر اجمالي المخزن الاحتياطي بما يقارب 9 تريليونات قدم مكعبة من الغاز.
وفي عام 2009 ايضا تم اكتشاف داليت الذي يقع على مسافة 60 كم غربي مدينة الخضيرة شمالي اسرائيل باجمالي 0.35 تريليون قدم من الغاز الطبيعي وفي العام 2012 تم اكتشاف حقلين قبالة شواطئ فلسطين المحتلة الاول حقل تاينن وبلغت التقديرات 1.2 تريليون قدم مكعبة، اما الثاني فحقل ليفياثان الذي بلغ احتياطي الغاز به ما يقارب 17 تريليوناً.
الحقل الاخير هو ظهر الذي اكتشفته شركة ايني الايطالية عام 2015 اكبر حقول الغاز في المتوسط ويبعد الحقل عن شواطئ مدينة بورسعيد نحو 200 كم ويبلغ الاحتياطي المؤكد 30 تريليون قدم مكعب من الغاز وحسب المصادر ان ايني تستخرج نحو مليار قدم مكعبة في السنة الأولى من الانتاج وترتفع تدريجياً حتى يصل الانتاج الى 2.5 مليار قدم في العام 2019.
صراع الشركات الممثلة لبلادها
الشركات النفطية العالمية تتنافس بقوة على الاستحواذ على حقول المتوسط واحتكار انتاجها وهذه الشركات لم تكن شركات فقط ولكنها تلعب دوراً سياسياً لدولها وهم ايني الايطالية ونوتال الفرنسية وائتلاف شركتي نويل اترجي الاميركية ودليك الاسرائيلية.
وبالتفصيل إيني الايطالية لها وجود في اكثر من 80 بلدا من ضمنها دول اوروبا الشرقية وافريقيا بالاضافة الى ايران وكازاخستان والعراق وهي من الشركات التي ستحصل على استكشاف الغاز في لبنان.
وتعد الشركة ضمن الشركات العشر الأولى في العالم برأسمال قدره 90 مليار دولار، وتملك الحكومة الايطالية 30 ٪ من اسهمها.
وتعمل “ENI” بمنطقة البحر المتوسط في قبرص ومصر وهي من اكتشف حقل “ظهر” قبالة السواحل المصرية وتعمل حالياً لبدء الانتاج منه.
وفي قبرص تعمل “ENI” بالبلوكات 2 و3 و9 من خلال ائتلاف مع شركة “NI -Kogas” الكورية الجنوبية بحيث تملك الأولى 80 ٪ من الحصص والثانية 20 ٪.
أما “Total” فهي شركة فرنسية وواحدة من كبرى ست شركات نفطية عالمية تأسست عام 1924 وتنتشر في جميع انحاء العالم، وتحقق عائداً يفوق 130 مليار دولار سنوياً.
وتعمل الشركة الفرنسية في اسيا الوسطى والمحيط الهادئ واميركا اللاتينية والشرق الاوسط حيث تملك 30 ٪ من حصص التنقيب عن النفط في السعودية و19 ٪ من اسهم انتاج حقل الحلفاية العراقي.
وينحصر نشاطها في البحر المتوسط من خلال حصولها على امتياز البلوك 11 القبرصي، اضافة الى توقيعها بروتوكول تعاون مع قبرص لاعداد دراسة جدوى حول مشروع بناء مصنع الانتاج الغاز الطبيعي المسال.
فيما تأسست شركة “Nobel Energy” الاميركية عام 1932 وتعمل في اميركا الجنوبية وافريقيا واوراسيا والبحر المتوسط وبحر الشمال والصين.
وفي منطقة البحر المتوسط يتوزع نشاطها بين اسرائيل ومصر وقبرص، فقد حصلت على امتياز حقلي “ليفياتان” و”تامار” الاسرائيليين، ولديها عقود استيراد مع مصر لتصدير الغاز الاسرائيلي اليها من خلال انبوب من حقل “تامارا” الى شواطئ مصر.
كما تستثمر الشركة في حقل “افروديت” القبرصي بنسبة 70 ٪، بائتلاف مع شركتي “Delek” للحفر و”Avner” للتنقيب.
ويكاد صراع الغاز يشعل حرباً لا تنطفئ في وقت قصير بين دول نفوذ الازمات والاخرى التي تحتاج الى ان تعيش السلم في بلادها وان كان البعد الاقتصادي عادة يقود الى الصراع السياسي فعلاقات تركيا واليونان تشهد توترا منذ اكثر من عشر سنوات في حين ان علاقات مصر واليونان تشهد تحسناً وتعاوناً ملحوظاً وفي الحروب عادة ما تركز وسائل الاعلام على الضحايا والدمار وتهتم الشعوب بسير العمليات العسكرية الامنية وينسى الجميع البعد الجيوسياسي والخلفيات الاقتصادية المالية للجهات المتورطة ولمن يقف وراءها فالغاز يشكل مادة للطاقة الرئيسية في القرن الواحد والعشرين من حيث البديل الطاقي لتراجع احتياطي النفط عالمياً من حيث الطاقة النظيفة.
فبعد اقرار اتفاق كيونو سنة 1992 وتطبيق الدول الاوروبية لاجراءات حازمة للحد من التلوث الجوي تضاعف استهلاك اوروبا من الغاز وتوزع روسيا الاتحادية التي هي المصدر الأول للغاز في العالم كميات ضخمة من الغاز السائل “420 مليار طن سنوياً” عبر شبكة ضخمة ومعقدة من خطوط الانابيب تمتد من روسيا مرورا باوكرانيا وبيلاروسيا الى مجمل اوروبا الشرقية وصولا الى المانيا وبلجيكا بواسطة شركة غاز بروم الروسية التي تأسست عام 1996 فمن الواضح أن روسيا قد قرأت الخريطة وتعلمت الدرس جيداً.
وعلى الجانب الأوروبي الآخر أبرمت تركيا اتفاقية تمهد الطريق أمام اقامة مشروع خط أنابيب غاز ضخم لنقل الغاز من أذربيجان في وسط آسيا عبر الأراضي التركية في اتجاه دول الاتحاد الأوروبي ليصب في مستودعات كبيرة للتخزين تقع في بلدة حدودية داخل النمسا تسمى بوجمارتن اندرمارس وهو ما يعد مشروعاً منافساً لمشروع خط الأنابيب الروسي المعروف بـ«ساوث ستريم» أو «السيل الجنوبي» والذي كان مقرراً أن يمر تحت مياه البحر الأسود من روسيا إلى بلغاريا ثم إلى وسط أوروبا بكمية ستصل إلى 31 مليار متر مكعب سنوياً من آسيا الوسطى إلى الاتحاد الاوروبي وقد كانت تركيا شاركت في التوقيع على الاتفاقية.
ومن هنا تتضح خريطة الغاز روسيا، جورجيا، ايران، قطر، قبرص، مصر، وإسرائيل وربما سوريا ولبنان،ولاسيما تركيا وتكشف هذه الخريطة أن حروب اسرائيل على غزة والتدخل التركي والروسي في سوريا والاتفاق النووي الايراني والأزمة الأوكرانية جميعها وغيرها حملت في طياتها وأحد جوانبها السيطرة والاستفادة من مصادر الطاقة.
وبجانب الحروب تبرز التحالفات المتصاعدة التي تتشكل في المنطقة وتحركها دوافع الغاز ومن بينها التقارب الاردني الاسرائيلي، واحتمالات التقارب التركي الإسرائيلي والحراك التركي الافريقي وعلاقات أنقرة مع جورجيا، والاتفاق النووي الايراني مع الغرب وكل هذا وأكثر من أجل السيطرة على خطوط النقل والامدادات حيث تقدم تركيا نفسها على انها الخيار الأفضل عالمياً لنقل الغاز الطبيعي من الشرق إلى الغرب متسلحة بموقعها الجغرافي الذي يتوسط القارتين، ويجعل من تكاليف نقله عبر أراضيها الأسهل والأرخص عالمياً.
ونحن نعلم أن الفارق الأساسي الآن بين أسواق النفط والغاز أن أسواق الغاز تتغير بسرعة كبيرة وستصبح دول لم تكن على القائمة من ضمن أكبر الدول المنتجة للغاز مثل استراليا وموزمبيق ومصر وتنزانيا وخلال السنوات المقبلة اسرائيل وربما قبرص ولبنان وبولندا وربما الصومال أو بعض مناطقها.
والسؤال هنا: هل الخريطة الغازية سوف تتغير بعد أن وجدوا بديلاً عن الغاز الروسي في سوريا ولبنان واسرائيل وقبرص والتي ستصبح دولاً مصدرة للغاز إلى أوروبا؟ لذلك فإن المعارك تدور في منطقة الشرق الأوسط على الغاز استخراجاً ونقلاً.
وهناك حلقة مفقودة في الخريطة وهي أن ايران لو سمح لها بتصدير الغاز سيصل دخلها السنوي إلى 130 مليار دولار وكل هذه الحروب دفعت تركيا لتوطيد العلاقة مع قطر واسرائيل والتي تعد مصدراً قوياً لتزويد تركيا بالغاز بديلاً عن روسيا.
وما من شك في ان النفط قد شكل منذ اكتشافه العام 1859، ولا يزال حتى الآن، أحد أهم أسباب الصراع في العالم، وقد شغلت هذه الطاقة مساحة كبيرة من خريطة الصراع العالمي طوال القرن الماضي، ومن المرشح أن يستمر هذا الأمر لفترة طويلة مقبلة في قرننا الحالي.
ولا يزال النفط حتى اليوم يشكل العصب الرئيسي للطاقة، وحتى عندما ارتفعت أسعار النفط عقب حرب أكتوبر 1973، وشعرت الدول الصناعية الكبرى وبخاصة في أوروبا وأميركا بامكانية تحكم الدول المنتجة بالأسعار أو في ربط ذلك بالمواقف السياسية، حاولت الدوائر العلمية في تلك الدول أن تبحث عن بديل للبترول بأسعار معقولة، مروجة بأن ذلك ممكن ومتاح، ولكن مع الوقت اكتشف الجميع أن تلك لم تكن إلا خدعة اعلامية، وانطلاقاً من هذه الاعتبارات كانت السيطرة على النفط تعني ضمان استمرار عمل الآلة الصناعية والآلة العسكرية معاً، أي الرخاء والقوة، وبات النفط يمثل قطاعاً مهماً للاستثمار الرأسمالي.
وأخذت دول غرب أوروبا تزيد اعتمادها على بترول الشرق الأوسط بصورة كبيرة، فقد ازدادت درجة الاعتماد من 20 % من جملة استهلاك البترول قبل الحرب العالمية الثانية إلى 43 % العام 1947 ثم إلى 85 % العام 1950، ولاحقاً زاد الطلب الغربي وغيره من الدول الصناعية على البترول الشرق أوسطي، وطال العقود التي تلت في القرن الماضي وصولاً إلى مرحلتنا الراهنة بنسب تصاعدية، ويرجع ذلك إلى ما يلي:
– قرب حقول بترول الشرق الأوسط من السوق الأوروبي.
– النفوذ القديم للدول الأوروبية في منطقة الشرق الأوسط، حيث كانت فرنسا تسيطر على دول المغرب العربي «الجزائر»، وانكلترا وقعدت اتفاقيات مع دول الخليج “الكويت والامارات وقطر والبحرين وعمان»، كذلك كانت الدول الأوروبية تتمتع بامتيازات واسعة لاستغلال حقول بترول دول الشرق الأوسط، عن طريق الشركات التابعة لها، ومنها: الشركة الفرنسية للبترول CFP والشركة البريطانية BP وشركة شل “المملوكة مشاركة بين انكلترا وهولندا”، وقد كانت هذه الشركات تبيع بترولها للدول الأوروبية بالعملات المحلية لهذه الدول.
وأخيراً يبقى السؤال المطروح: ماذا تريد أميركا من نشر قواتها حول مناطق انتاج البترول أو الطرق المؤدية إليه أو تلك التي تمر بها امدادات النفط، ولماذا تنشر أميركا تلك القوات؟ وفي معرض الاجابة عن السؤال يقتضي الأخذ بالاعتبار حالة التنافس الاقتصادي والعسكري المحتمل مع أوروبا، اليابان، الصين، وروسيا، وهكذا فإن المطلوب احتواء روسيا والصين، ووضع الرأسماليات الأوروبية واليابانية تحت السيطرة الأميركية بالتحكم في امدادات النفط.

































