
بقلم-أحمد العربيد :
بكل شفافية ووضوح، عرضت السلطة التنفيذية مشكورة، يوم الاربعاء الماضي الموافق 7 مارس الجاري، في جلسة مجلس الامة، النسخة الجديدة من وثيقة الاصلاح الاقتصادي التي اصبح عنوانها الجديد وثيقة الإطار العام للبرنامج الوطني الاقتصادي والمالي المستدام، التي قام باستعراضها نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، أنس الصالح، وتنبأت السلطة التنفيذية بنضوب السيولة المالية في الدولة في غضون عامين من الآن، كما كشفت السلطة التنفيذية عن تدهور الاحتياطي العام اذا لم تتغير أسعار النفط. اما احتياطي الاجيال القادمة فترى الحكومة أنه سيبقى متينا. وفي السياق نفسه، نبهت السلطة التنفيذية إلى أن العجز المالى في الميزانية يكاد يتجاوز ثلاثة مليارات دينار. وأن هناك مبادرات غير نفطية لإيجاد موارد أخرى، لكنها لم تذكر ما اذا كانت هذه المبادرات ستسد العجز المالي الذي تعاني منه الميزانية.
لقد تم في العشرين سنة الماضية اعداد الكثير من الدراسات الاقتصادية لحل اشكاليات واختلالات الاقتصاد الكويتي، واهم هذه الدراسات: تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ولجنة تصحيح المسار الاقتصادي، والوثيقة الاستراتيجية التي اعدها توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا الاسبق، وفريقه الذي تشكل من خبراء كويتيين وغيرهم، والعديد من التقارير البرلمانية، حيث أجمعت كل هذه الجهود على حاجة الكويت لإصلاحات هيكلية في بنيتها الاقتصادية، والا ستتعرض الكويت لاختلالات اكبر من العجز المالي والبطالة المقنعة والتضخم في المصروفات مع ضعف الأداء وغير ذلك.
لقد تم التركيز في مواد الدستور الكويتي على اهمية الاقتصاد المستدام، ويمكن القول ان الدستور قد تقدم بخطوات عجز عنها المخططون في الدولة، فبينما يحثنا الدستور على ان تراعي الدولة عند استغلالها لأي مصدر من مصادر الثروات الطبيعية او مورد من مواردها دور هذا المصدر او المورد في الاقتصاد الوطني في مجموعه، ليدخل ضمن المخطط العام للتنمية الاقتصادية، لا أن يتم تجاهل هذا المصدر كما تم في وثيقة الاطار العام للبرنامج الوطني للاستدامة الاقتصادية والمالية. هذا التهميش لدور النفط بحد ذاته سيكرس تلك الاختلالات والاشكاليات التي اجمعت عليها الجهود والدراسات المذكورة اعلاه.
في عام 2012، انبرى مجموعة من الكويتيين وعددهم 41 مبادراً من ابناء وبنات الكويت المتخصصين في 30 تخصصاً علمياً يحملون شهادات اكاديمية متنوعة، وعكفوا على دراسة التقارير والدراسات المتعلقة بالاقتصاد الوطني، وتوصلوا لنتائج باهرة أيدتهم في ذلك 300 شخصية مرموقة اخرى. توصل المبادرون لكتابة وثيقة إطارية من 200 صفحة في عام 2013 اطلقوا عليها عنوانا هو «الكويت عاصمة النفط في العالم». تعد هذه الوثيقة الاطارية بمنزلة خارطة طريق لتحقيق رؤية صاحب السمو امير البلاد الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح، حفظه الله، بأن تكون الكويت مركزا ماليا وتجاريا عام 2035.
هذه الوثيقة تحمل حلولا لاختلالات الاقتصاد الكويتي، وتتبنى اعتماد الصناعات العصرية التي تعتمد على النفط لقيماً لها، وتستهدف هذه الصناعات الوصول الى إقامة نهج صناعي حديث يتطابق مع الدستور الكويتي (Advanced Industrial Model- AIM).
وتم تقديم الوثيقة الاطارية لأصحاب القرار في عام 2013.
هذه النهج يرمي الى تعظيم قيمة برميل النفط ليكون برميلا ذهبيا، وهناك الكثير من الافكار والمشاريع المذكورة في هذه الوثيقة التي تحقق الرؤية الأميرية.
عانى اجدادنا شظف العيش قرونا مديدة، وهم لم يكونوا يعلمون ان النفط الذي اصبح مصدر رزقهم الوحيد هو في الحقيقة كان قابعا تحت ارجلهم. الغريب اننا ابناء هذا الجيل ما زال بعضنا يجهل القيمة الحقيقية للنفط الذي حبانا الله به. مجالس التخطيط ظلت طيلة الستين عاما الماضية تبحث عن مصدر دخل آخر فلم تجد، وغفلت عن النفط الذي ما زال تحت ارجلنا.


































