
كتب : عبد اللطيف الدعيج
الزبدة أنه ليس هناك حلول جاهزة وسريعة لأزمة تدنّي أسعار النفط. بل لو شئنا الدقة والمعالجة المنطقية للأزمة فإن الحقيقة هي أن تدني أسعار النفط ليس هو الأزمة، أو ليس الأزمة الحقيقية. فالأزمة الحقيقية الحالية هي أزمة المواطن الكويتي نفسه. أزمة ومشكلات المجتمع الريعي. لو كان المواطن الكويتي عاملا ومنتجا لكانت الوفرة النفطية “وفرة” بالفعل، وليس ضرورة، إضافة وليس الأصل. لكن ومع الاسف، فإن السياسة الريعية ــــ العفوية بالأصل ــــ سلبت المواطن الكويتي إنسانيته وغيّرت من طبائعه وغرائزه الاجتماعية في التنافس الشريف والثقة في النفس وتقديس العمل والعاملين. لهذا اختفى الانتاج وضاعت الاسس وبقي المهيمن والمتحكم عندنا.. “الوفرة”.
وحتى لا نتيه بعيدا فإنني ايضا أحمل السياسات والمعادات للحداثة التي تبنتها بعض رموز السلطة والمجتمع ايضا، أحملها وزر زيادة وتأثير “الريعية” وجريمة تحييد مناعة المواطن الكويتي وتهميش قدراته على المواجهة.
إذاً الازمة الحقيقية هي ليست ازمة موارد، ولكن ازمة الانسان”الخالق” والمكوّن لهذه الموارد. هذا الانسان لم يعد موجودا مع الاسف. فقد تم ترويضه جيلا بعد جيل على التكسّب، وعلى التحايل، وعلى التحصل على حقوقه، بل وحتى مقومات وجوده بكل الوسائل.. بالطبع، غير الوسائل الشريفة اي المعهودة. لهذا وجدنا المعارضة الشعبية تنساق خلف المروّجين والمتمصلحين لمحاربة مشروع مثل “مشروع مجمع الكيماويات” بسهولة. وانقياد الناس هنا لم يكن بفضل او تحت وقع الاعلام او السياسة وحدهما. فالاعلام والساسة انفسهم لا يملكان خداع الناس بهذا الشكل، ما لم تكن هناك ارضية صالحة وبيئة حاضنة ومحفزة لتقبل هذا الخداع. فالمواطن «الريعي» نفسه كان ينظر الى عشرات المليارات التي اعلن عن انفاقها على المشروع على انها تبديد لا جدوى منه.. فهو لن يعمل ولن يرتبط ماديا بهذا المشروع.. لهذا كان يفضلها منحا حكومية او زيادات في الرواتب او اضافات على القروض. وهذا ما رباه وعوده عليه المجتمع الريعي.
لهذا أسقط مشروع “الداو” اول مشروع حقيقي لتنويع مصادر الدخل. ولم يكتف المجتمع الريعي باسقاط المشروع، بل مضى الى ابعد من ذلك، حيث ادان القيادات النفطية واتهمها بالاختلاس والسرقة في الوقت الذي وزع فيه نياشين وصكوك الوطنية على المذنبين الحقيقيين ممن اسقطوا المشروع وكبّدوا المال العام غرامة الملياري دولار.. وهو ذات المجتمع الريعي وذات القوى التي جلدت الشيخ ناصر صباح الأحمد، لأنه ربط مشروع الجزر بالتحذير من قرب زوال دولة الرفاه.
نحن بحاجة الى اعادة بناء الانسان الكويتي، والى اعادة القيم الانسانية التقليدية للمجتمع. انتشالنا من مستنقع الريعية الى آفاق حقيقية في الامانة وفي الاجتهاد، وفي احترام ومعاملة الانسان بعطائه وولائه الاجتماعي العام وليس بأصله او فصله او مقدار نفوذه. واعتقد ان من نافل القول التقرير بأن ذلك لن يأتي بسهولة.


































