النفط يتخبَّط وسعود الناصر قالها عام 1999

بقلم-بدر خالد البحر :

جاءنا صديق الطفولة «بوعلوه» منذ ما يقرب من خمسة وعشرين عاما وطلب منا مشاركته في مشروع بقالة، ولأنه صديق الطفولة وافقنا من غير تردد، فاختفى ثم عاد بعد ستة أشهر، وقال انه «فنّش البائع»، وطلب زيادة رأس المال، ولأنه صديق الطفولة وافقنا مرة أخرى ومن غير تردد أيضا، ثم اختفى ثم فاجأنا بعد ستة أشهر وقال إنه باعها بخمسة اضعاف تكلفتها، فكانت البقالة أفضل استثمار مر علينا طوال عقود، حيث نافست في عوائدها أداء العقارات والصناديق والمحافظ المحلية والاجنبية.
إنه المنطق أعزائي، البائع الفاشل «تفنشه»، والقائد الفاشل بمصطلحات العسكرية تعدمه، كما أعدم موسوليني في مثل يوم أمس منذ ثلاثة وسبعين عاما، والمسؤول المخطئ تحاسبه وتعزله، لا كما حدث عندنا بعد الغزو، كل من هرب عاد للادارة وهو ما يفسر فشلنا حتى تاريخه.
لكن ما بالك بقطاع يمر باخفاقات ولا نرى أن أحدا تمت محاسبته أو تفنيشه لسوء إدارته، فكيف لشركة بحجم «كيبيك» يتم تأسيسها بملياري دينار تقريبا ثم تختفي ككيان بعد عام واحد من أبريل إلى أبريل الذي يليه؟ أين ذهبت مصاريف التأسيس والدراسات والمستشارون؟ مشروع آخر، وهو الوقود البيئي، وتأخير تشغيله واسقاط غرامات تأخير بنحو مئة مليون، إضافة لمعلومة لن ترد في صحيفة الاستجواب المقدم لوزير النفط بعد يومين، كنا ذكرناها في مقال سابق، وهي أن مخاوف فريق المشروع من تأخير التشغيل ربما قادتهم لاستخدام مواد غير مطابقة لمواصفات لحيم وحدات التقطير، وهي ذات عواقب كارثية حسب رأي إدارة الفحص ورأي صاحب الاختراع نفسه. مشروع آخر وهو حقول الما وغالية الذي وصلت خسائره لاكثر من ستمئة مليون رغم تحذيرات ديوان المحاسبة، وكذلك التأخير في تشغيل مشروع فيتنام الذي كلف المال العام قرابة تسعة مليارات وتهم بالتجاوزات التي لصقت ببعض المسؤولين عنه، كما يجب ألا ننسى القصة الطويلة لمشروع «الرؤية».
ان المفاجأة التي نود ذكرها هي ان كل ما تشدق به المسؤولون مؤخرا من تصريحات عن الخطة الطموحة لدمج الشركات بعد أن انفقت الاموال الطائلة على تأسيسها، هي في الاصل خطة «طموحة» صرح بها رحمه الله الشيخ سعود الناصر منذ عشرين عاما عندما كان وزيرا النفط، وذلك حين اوضح أن ضم الشركات سيعزز كفاءة الادارة للحد من تضارب القوانين وتداخل الاختصاصات، وهو ما يستدعي محاسبة أي مسؤول والاستغناء عنه كان على علم بخطة الشيخ سعود، كما استغنى «بوعلوه» عن بائع البقالة، بصرف النظر عن ادعاء «الكفاءات» للشلة القريبة من البعض، محاسبة يجب أن تطال كل اخفاق تعرضت له المؤسسة على حدة، وعن التخبط طوال عشرين عاما في حين كانت الرؤية واضحة عندما أنار سعود الناصر، رحمه الله، الطريق منذ عام 1999.