كفاءة إدارة النرويج ثروتها النفطية جنبتها المرض الهولندي

النقطة الأهم في تجربة النرويج هي كيفية تعاملها مع الإيرادات الهائلة لصناعتها النفطية، فقد قامت الحكومة بفرض حد أقصى على المبلغ الذي يمكنها سحبه من الصندوق يبلغ 4%، وذلك من أجل الحيلولة دون خروج التضخم عن نطاق السيطرة، وتأمين الموارد المالية الكافية لبقاء الدولة والشعب في عصر ما بعد الوقود الأحفوري.عندما اكتُشف النفط في الجرف القاري النرويجي في عام 1969، كانت النرويج على وعي تام بحقيقة أن الخام مورد غير متجدد، لذلك عمدت فوراً إلى سن تشريعات لإدارة الموارد الجديدة بطريقة من شأنها أن تنعكس على الأوضاع المعيشية لمواطنيها على المدى الطويل.

من اللحظة الأولى، حرصت الإدارة السياسية للبلاد على تأكيد أن ثروات النرويج من النفط والغاز تعود ملكيتها إلى كل أطياف الشعب، لذلك تم تصميم النظام الضريبي والظروف الإطارية لصناعة النفط بطريقة تضمن انعكاس الإيرادات الضخمة لذلك القطاع على الدولة.وبشكل عام تلعب الموارد الطبيعية دوراً أساسياً في التنمية الاقتصادية لأي بلد توجد بها كميات معتبرة منها، وذلك لأنها توفر إيرادات من الممكن استخدامها في تطوير صناعات أخرى وخلق فرص جديدة وتعزيز ثروة المواطنين.النرويج وضعت مثالاً يحتذى في كيفية إدارة الموارد الطبيعية على نحو سليم، حيث تمكنت بكفاءة شديدة من تجنب المرض الهولندي الذي يؤدي إلى انخفاض الصادرات غير النفطية، بسبب قوة العملة المحلية من خلال تدابير معينة، أهمها:

ضبط البوصلة: في خمسينيات القرن الماضي، سادت تكهنات في الأوساط الأوروبية تشير إلى وجود كميات كبيرة من النفط والغاز تقع تحت بحر الشمال. وقد تأكدت هذه النظرية في عام 1959 عندما تم اكتشاف أكبر حقل للغاز الطبيعي في أوروبا في هولندا.

ومع التفات الجميع في أوروبا إلى الثروات النفطية، قامت الحكومة النرويجية في عام 1963 بإصدار تشريع ينص على أن الدولة تمتلك جميع الموارد الطبيعية الواقعة ضمن أراضيها، كما نص أيضاً على أن الحكومة هي السلطة الوحيدة التي يمكنها منح تراخيص الاستكشاف والإنتاج.وفي البداية، أعطت الحكومة النرويجية تراخيص لشركات الطاقة من أجل التنقيب عن النفط في البلاد. ومع ذلك، في محاولة لتحقيق أقصى قدر ممكن من الإيرادات الوطنية، تحركت الحكومة في عام 1972 لإنشاء شركة نفط وطنية تسمى “ستات أويل”. ومنذ ذلك الحين، تم إلزام أي شركة ترغب في العمل بالقطاع النفطي النرويجي بتقاسم المشروع 50/50 مع “ستات أويل”.وأدت الخطوات المبكرة التي قامت بها النرويج إلى الحيلولة دون خصخصة مواردها الطبيعية وضمان ثروات البلاد لمواطنيها.

الاستثمار بذكاء: أنشأت النرويج في التسعينيات صندوق ثروة سياديا، وعمدت إلى استخدامه كحصالة تودع به الفائض من إيراداتها النفطية. والذي تجاوزت قيمة استثماراته الكلية منذ عدة أيام تريليون دولار.

وبالعملة المحلية، ناهزت القيمة السوقية لصندوق الثروة السيادي النرويجي 7.85 تريليونات كرونة، وهو ما يعني أن نصيب كل فرد من الشعب الذي يزيد تعداده عن 5 ملايين نسمة بقليل من الثروة النفطية لبلاده يبلغ نحو 1.49 مليون كرونة.وتتم إدارة الصندوق من قبل وحدة تابعة للبنك المركزي النرويجي. وأصبح المبنى الخاص بالبنك، المكون من 7 طوابق، والكائن بالعاصمة أوسلو، بمثابة المغناطيس لعدد من صانعي السياسات الاقتصادية في عدد من البلدان، وخاصة من بكين وموسكو، الذين يأتون إليه لمعرفة أسرار نجاح البلاد في استثمار عائداتها النفطية.

النقطة الأهم في تجربة النرويج هي كيفية تعاملها مع الإيرادات الهائلة لصناعتها النفطية، فقد قامت الحكومة بفرض حد أقصى على المبلغ الذي يمكنها سحبه من الصندوق يبلغ %4، وذلك من أجل الحيلولة دون خروج التضخم عن نطاق السيطرة، وتأمين الموارد المالية الكافية لبقاء الدولة والشعب في عصر ما بعد الوقود الأحفوري.

وظهر مدى حكمة هذه السياسة للجميع مع انهيار أسعار النفط في عام 2014، فعلى الرغم من أن النرويج تأثرت بلا شك بأوضاع سوق النفط، فإن الأمر لم يكن درامياً أو كارثياً، كما كان الحال في عدد من الدول النفطية الأخرى التي انهارت مالياً أو خرج عجزها المالي عن نطاق السيطرة.وعلى الرغم من كبر حجم إيراداتها النفطية باعتبارها أكبر منتج للخام في غرب أوروبا، فإن النرويج حرصت على تنويع اقتصادها ودعم عدد من مختلف الصناعات لتظهر في وضع قوي إلى جانب الصناعة النفطية، وذلك لكي لا تترك الرفاهية الاقتصادية لمواطنيها رهينة لتقلبات أسعار الخام.

وفي عام 2016، بلغت قيمة صادرات النرويج من الأسماك والمأكولات البحرية التي وصلت إلى أكثر من 130 دولة حول العالم نحو 90 مليار كرونة (11.6 مليار دولار). كما تسهم أيضاً صناعات مثل قطع الأشجار وبناء السفن والتعدين بجزء غير ضئيل في الدخل القومي.

تعتبر طريقة إدارة النرويج لمواردها الطبيعية مثالاً ساطعاً على الازدهار الاقتصادي الذي قد ينتج عندما يتم توزيع ثروات البلاد بين المواطنين على نحو عادل، فقد استخدمت الحكومة النرويجية هذه الثروة في إطلاق برامج اجتماعية واقتصادية تساعد كل مواطن.ومن ثمار هذه الثروة أيضاً، الصندوق السيادي الذي بإمكانه دعم البلاد في الأوقات الصعبة اقتصادياً، والذي أودعت به الحكومة أغلب إيراداتها الضريبية من القطاع النفطي، في محاولة جادة لحفظ حقوق الأجيال القادمة من ثروات بلادهم النفطية التي لن تبقى إلى الأبد. ربما يجب على الدول الغنية بالموارد الطبيعية أن تتعلم الدرس من النرويج، حول كيفية تحقيق أقصى استفادة مالية واقتصادية ممكنة من تلك الموارد، وكذلك كيفية استثمار إيراداتها بذكاء، وعلى نحو ملائم وحكيم، وهو ما مكن الدولة الواقعة في الجزء الغربي من شبه الجزيرة الإسكندنافية من توفير حياة كريمة لشعبها.

Print Friendly, PDF & Email