الغاز الطبيعي.. بين الشح والفيض

بقلم -لأحمد العربيد:

في المقال السابق تطرقت إلى الغاز في الكويت تاريخيا حتى الآن، وركزت على الغاز منذ بدأ انتاج النفط عام 1946 لارتباط النفط والغاز معاً، وركزت على أسباب عدم الاستفادة من كميات كبيرة من الغاز آنذاك، وبررت اللجوء قسرا الى حرق الفائض منه، وبينت ان سبب ذلك هو عدم وجود جدوى اقتصادية في تصنيع الغاز سابقا. على الرغم من اني ذكرت ان القطاع النفطي استخدم الغاز في حالات كثيرة لم تكن اقتصادية.

نكمل اليوم المسيرة التاريخية للغاز الطبيعي ونؤكد ان معظم الدول المنتجة، وبالاخص الغنية منها، سلكت السبيل نفسه الذي سلكته الكويت في التصرف بشأن الفائض من الغاز، وقد كانت محاولات القطاع النفطي الكويتي في استخدام الغاز متميزة وجادة في الاستفادة بأكبر قدر ممكن منه. لم تستوعب الكويت كل الغاز المنتج الذي كان يتزايد بشكل مطرد كما هو الحال في كل الدول المنتجة للغاز.

اتجهت الكويت لإيجاد حلول اخرى للاستفادة من الغاز الطبيعي، فكانت احدى تلك المحاولات هي حقن الغاز الطبيعي الفائض مرة اخرى في مكامن نفطية على اعماق سحيقة تحت الارض يمكن تخزينه فيها واستعادة انتاجه مرة اخرى عند الحاجة اليه،  كانت هذه التقنية حديثة وتساعد على رفع ضغط تلك المكامن مما يعزز الانتاج منها ويحقق الاستفادة السريعة في انتاج كميات من الغاز لسد النقص الطارئ في محطات الكهرباء صيفا اثناء حالات ارتفاع درجات الحرارة الى معدلات غير طبيعة في مثل هذه الايام التي نعيشها، وقد كانت تلك التجربة فريدة من نوعها وعلى مستوى الصناعة النفطية العالمية في الحقول والمكامن، لم يكن لها مثيل، لم يكتب لهذه التجربة النجاح الكامل لاسباب تقنية ولحدوث زيادة كبيرة في الحاجة إلى استهلاك الغاز الطبيعي في محطات توليد الطاقة وتقطير المياه، مما استدعى التفكير في انشاء مصنع لتسييل الغاز الطبيعي للاستفادة من عزل مكوناته السائلة عن مكوناته الغازية التي تحقق قيمة مضافة وتساعد على تحسين أداء استهلاك الغاز الجاف كوقود لمحطات الطاقة.

وفي خطوة جبارة قامت الكويت في عام 1979 بإنشاء مصنع إسالة الغاز وكان من اكبر المشاريع النفطية في الصناعة النفطية عالميا، اذ بلغت تكلفته مليارا ونصف المليار دينار تم في هذا المشروع بناء 3 خطوط تشغيل متماثلة طاقة كل منها 575 مليون قدم مكعبة يوميا تتم فيها إسالة الغاز واستخدامه لمحطات الطاقة في الكويت، وتمت ايضا توسعته في ما بعد لسد حالات النقص من الطاقة. هذا المشروع وفر للكويت طاقة تشغيلية لمحطات الكهرباء لمدة 20 عاما اضطرت الكويت بعدها لاستخدام النفط الخام لتشغيل المحطات الجديدة لعدم توافر الغاز الطبيعي. أصبح النفط الخام هو البديل غير الاقتصادي والاسوأ في التأثير على البيئة بسبب حرق مئات الآلاف من براميل النفط يوميا، كما يسبب خسارة عظيمة على اقتصادات البلد، وهو اليوم سبب رئيسي من اسباب العجز المالي في ميزانية الدولة.

حاولت الكويت ان تبحث عن مصادر دائمة لانتاج او شراء الغاز الطبيعي منذ ثلاثين عاما، الا انها لم تتمكن من ذلك، سوى خيارات محدود وشحيحة. وهذا هو حال الغاز  الطبيعي يتأرجح بين الشح والفيض.